حجم الخط

إعادة اكتشاف البرادعي

3/17/2011 11:17 am

كتب:

أرجو أن يمتلك الناصريون واليسار المصري عموما من شجاعة الموقف وقوة الضمير ما يدعوهم إلي إعادة اكتشاف المرشح الرئاسي محمد البرادعي.. أنا أكثر من هاجمه وقسا علي مؤيديه في هذا المكان. كان ذلك بحسابات ومعايير ما قبل ثورة يناير المجيدة. اليوم وبعد هذه الثورة، وبمعاييرها، ووفاء لروحها فإني اعتقد أن الرجل هو أفضل الأسماء المطروحة من المرشحين. 

اليوم أعلن أن من قالوا إنه ألقي بالحجر الأكبر في البركة الآسنة كانوا علي حق. 

اليوم أقول إن كل من راهن عليه ملهما لمئات الألوف من شباب الأجيال الجديدة قد كسبوا الرهان. 

الناصريون واليسار المصري عليهم أن يعترفوا بشجاعة أن ظرفهم الموضوعي لم ينضج بحيث يؤهلهم إلي خوض المعركة المقبلة بمرشحهم الخاص. وأن أفضل ما يفعلونه أن يتداعوا إلي نقاش جاد حول من يعطونه تأييدهم. لن يكون الإجماع علي مرشح واحد مطلوبا، فلا يجوز لتيار سياسي أن يجمع علي مرشح من غير صفوفه. لكن هذا الحوار سوف ينقل الجدل الدائر في صفوفهم من الماضي إلي المستقبل، ومن حسابات ما قبل الثورة إلي معالم المستقبل المنشود بعدها. 

واليوم أقول إن هدير جماهير التحرير قد جذبني إلي صف البرادعي. الرجل الذي لم يكن يوما من خدام النظام المخلوع، ولا من المسبحين بحمد رئيسه الفاسد، وأسرته المجرمة. ومن أحاط بهم من العصابات. البرادعي لم يكن من رموز النظام البائد ولا وزرائه ولا مستشاريه. ولم يكن مسئولا عن سياسات ذلك النظام الإجرامية سواء في الداخل أو الخارج. ولم يغترف شيئا من مزاياه ولو فكر في ذلك لفاز من هذه المزايا الحرام بما شاء. لكنه بدلا من أن يغترف من هذه المزايا الحرام، أو ـ علي الأقل ـ يكتفي بالابتعاد وإيثار السلامة قبل بالمجازفة والقي بشراعه في قوارب المعارضة الوطنية. لم تكن هذه المعارضة الوطنية الشريفة تقدم أي وعد بمستقبل سياسي واعد للرجل الذي لم يكن يوما واحدا من صفوفها، بل ولعله لم يكن قد سبق له التعرف علي معظم قياداتها. كان لقاؤه بهذه القيادات لقاء الإخلاص الوطني الخالص. رجال أمضوا حياتهم في نضال سياسي لا يهدأ عرضهم لكل صنوف المضايقة والاضطهاد، ومع ذلك دفعهم ضمير وطني شديد النقاء لأن يضعوا الرجل القادم لتوه من بعيد في موضع القيادة لعل وعسي أن يحقق من الحراك الجماهيري ما عجزوا هم عن تحقيقه في ظل نظام إجرامي صار مثلا في فساد واستبداد وانحلال وتحلل وعبثية الأنظمة الحاكمة علي مدار التاريخ البشري. من ناحيته فإن الدبلوماسي الذي كان قد أنهي خدمته الدولية بالكاد، سارع بالاستجابة الفورية التي أورت بنوع التربية السياسية الوطنية التي تلقاها في مدرسة والده نقيب المحامين الجليل الراحل مصطفي البرادعي.. وبسبب هذه الاستجابة انضم الرجل إلي قوافل المرصودين من النظام وأجهزته والمتعرضين للرياح القذرة التي تهب من أجهزة أمنه وإعلامه. لم يشفع له عندهم لا جائزة نوبل، ولا قلادة النيل الذي منحه إياها رأس النظام الخليع المخلوع بسبب حصوله علي الجائزة المذكورة. ولو أنه لم يستجب لكانت عناصر النظام المخلوع جميعا طوع بنانه. 

وحين انفجرت الثورة، وانطلق شلالها المقدس، كان البرادعي اصدق المتدفقين مع الشلال. لم يساوم ولم يدع الحكمة ولم يبع أحلام الجموع الهادرة في أسواق نخاسة النظام المخلوع. 

لم نكن الثورة من صناعة البرادعي، ولا كان هو قائدها، ولا رمزها. ولكن المؤكد أنه كان أهم أدوات التواصل بين الشباب الذين فجروها وبين أجيال المعارضين الذين كانت الثورة حصيلة نضالهم الذي تراكم لأكثر من ثلاثة عقود.. ذلك التواصل الذي كانت أجهزة النظام السابق وسياساته قد نجحت في سد منافذه. لقد كان إدراك المعارضين المصريين الشرفاء لهذه الأزمة هو دافعهم إلي وضع البرادعي علي رأس صفوفهم في إبداع مصري غير مسبوق، ساهم بقوة في صناعة هذه الثورة غير المسبوقة بدورها. 

فليكن الناصريون واليسار مع البرادعي لفترة الرئاسة الأولي بعد الثورة، استجابة لظرف ذاتي غير ناضج لإعلان مرشح منهم، ولعل وعسي أن تتيح لهم الحركة معه فرصة تاريخية للتحرك في المساحات المفتوحة من حوله، والتي لا يمتلك أي مرشح آخر مثلها. 

ولتكن فرصة لعمل صابر دؤوب هو من حق من يعمل له، وهو مستقبل يعمل لصالح أفكار ومبادئ الناصرية تحديدا. ولن يخسر الناصريون واليسار شيئا، فنحن علي أعتاب فترة سياسية تجريبية مؤقتة بطبيعتها، ولو فكرنا بعمق لأدركنا أن أصلح من يقودها هو ذلك الرجل الذي أمضي حياته في ظل المجتمعات التي تمرست علي الأفكار والقيم الليبرالية، والذي لا يحمل أي ارتباطات خاصة بأي جماعات سياسية داخلية يخشي أن يستخدم سلطة منصبه الرئاسي لنصرتها علي حساب الجماعات الأخرى إذا فاز بمقعد الرئاسة. 

الفترة الرئاسية الأولي بعد الثورة فترة حافلة بكل عوامل الإخفاق، كما أن نجاحها كفيل بفتح أبواب واسعة للأمل أمام كل التيارات التي سوف تجاهد من اجل المستقبل الحقيقي ولا تتعلق بأذيال الحسابات الزائفة، ولا بأوهام الأحلام الشخصية المريضة التي كشفت ثورة يناير المجيدة أن مكانها الصحيح هو مصحات الأمراض النفسية.

كاريكاتير

بحث