حجم الخط

البحث عن الوسطية

1/17/2011 12:24 pm

كتب:

منذ سنين وأنا مشغول بالبحث عن سر تلك الحالة التي تحياها أمتنا من الانفلات الديني، بدءا بالفتاوى المتضاربة في قضايا جوهرية من نوع حد الردة، وحكم الخروج علي الحاكم الظالم، ومتي يتوجب جهاد الأعداء، ومتي تجوز معاهدتهم، ومتي يكون اللجوء للقوة أو العنف جهادا مشروعا، ومتي يصبح إرهابا محرما، وجواز ترويع الآمنين أو تفجير دور العبادة، أو إرهاب السياح، والموقف من أمور تمثل جوهر الاجتماع البشري مثل الوطن والقومية... الخ وانتهاء بالتكفير المتبادل بين الجميع سواء بسبب الخلافات حول الأمور السابقة وما يشبهها، أو الخلاف حول أمور أكثر صلة بالعقيدة كتعريف الكفر والشرك، وما يدخل ـ أو لا يدخل ـ فيهما من أعمال من عينة الاعتقاد في كرامة الأولياء، وزيارة القبور والأضرحة، والصلاة فيها، والموقف من قضايا مثل الجبر والاختيار، والذات والصفات. إنه ليس سر "شويبس" الشهير القديم الذي أدخلنا إلى عصر الإعلان التجاري الاستهلاكي السفيه، الذي كان وبالا علي امتنا مازالت تتصاعد مخاطره وتترسخ، لكنه ليس مقطوع الصلة به، وليس بعيدا عنه. ففي جميع جوانب حياتنا تطرف وخلل يقطع في الخروج الكامل عن دائرة الوسطية التي أرادها الله لهذه الأمة يوم أراد أن تكون خير امة أخرجت للناس.

صليت في جميع المساجد وخلف جميع الأئمة فما راعني إلا أن أكثرهم بجميع مذاهبهم وأفكارهم مستبدون لا يقبلون نقاشا ولا يحتملون خلافا، ولا يملكون ادني اعتقاد في أن الحياة البشرية قد تطورت وشهدت أشكالا وألوانا من نظم الحكم بلغ بعضها من الرشد والشفافية ما يذكرنا بعصر الخلافة الراشدة رغم أن هذه النظم ربما قامت في بلاد تناصب الإسلام اشد العداء. ليس هذا فحسب، بل ما هو اقل منه شأنا، وأيسر منه إدراكا. لقد مرت امتنا بقرون من الجهل والظلام كان الفارق بين حجم المعلومات التي حملها "علماء الدين" وتلك التي كان يعلمها عامة المسلمين شاسعا، يمنح العلماء إحساسا طاغيا بالتميز، ويمنع أي اعتراض أو مناقشة لما يطرحه هؤلاء العلماء من آراء ومعلومات وأفكار، واليوم تغيرت هذه الأوضاع، وأصبح من بين الحاضرين لدروس العلماء من قد يفوق الواعظ علما وفقها، وقدرة علي التفكير والتقييم والاستخلاص. لكن علماء الدين مازالوا علي حالهم القديم، يتأففون من الحوار، ويستنكرون المعارضة، ويعتبرون ما في حوزتهم هو العلم الحقيقي الذي لا يعارض فيه إلا جاهل أو سفيه، أو خارج عن الدين والملة ينتمي لفرقة كافرة من الفرق الاثنين والسبعين الواقعة في النار، مخالفا للفرقة الوحيدة الناجية، التي هي فرقة الواعظ في جميع الأحوال. فإن كان الواعظ صوفيا يتمرغ في تراب القبور، ويعتقد في أن ثمة من يطير بجسده في الهواء، ويمشي بقدمه علي الماء، ويري في ذات اللحظة في عدة أمكنة تباعد بينها آلاف الفراسخ والأميال، وأن ثمة عبادا لله قد تركوا الوسائل وبلغوا الحقيقة فلم يعد يلزمهم صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج، بل وإن الله حل في أجساد بعضهم، فتجسد في حواسهم، وحركاتهم وسكناتهم... الخ!! فإنك ـ إن لم تقبل بما قال، وتسلم بما زعم ـ كافر، فاسق تنتمي للوهابية والسلفية التي تنكر الولاية، وتنكر النبوة بالضرورة، لأنها والولاية من ذات الجنس والنوع. ولا يشفع لك عنده للخروج من ملل الكافرين أنك ما جادلته إلا بأن شيئا مما يقول لم يثبت للرسل (ص) ولا لعموم الأنبياء، ولا لحوارييهم وصحابتهم الذين هم اصدق الناس في ما فهموا عنهم، وأبرهم في الإيمان بما دعوا إليه، فكانوا ـ لذلك ـ أولي الناس قاطبة بهذه "الكرامات "وأمثالها. وأنت موغل في الضلال والفسق إذا تجرأت فنبهت إلى أن هذه الكرامات المدعاة لا فائدة ترجي منها للدين ولا للدعوة، ولا للأمة، بل ولا لشخص أي من الأولياء، الذين يكفيهم من حسن القبول والجزاء عند ربهم أن وعد بأنهم "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

أما فرقة الواعظ السلفي أو الوهابي فهي الفرقة الناجية لأنها نجت من ضلال وغي الفرق الصوفية التي أشركت بالله ما لم ينزل به سلطانا، وتوجهت بصلاتها للأصنام المتجسدة في الأضرحة الشاخصة في بعض المساجد، ولا يقل عن ذلك في الدخول إلى ملة الكفر أن تناصر فريقا من الكافرين المتحاربين علي فريق فتفرح لأن حزب الله الشيعي قد تصدي للعدوان الإسرائيلي، أو تدافع عن مواقف إيران في مواجهة أمريكا وإسرائيل، أو عن العلاقات بين بعض العرب والاتحاد السوفيتي السابق.

وأنت لا تخرج عن ملة الكفر إذا جادلت بأن عدوك الأساسي الذي أخرجك من أرضك وديارك هي إسرائيل ومن يقف وراءها، وأن الرسول (ص) لم يفتح بابا للصراع مع أي من القوي المعادية إلا بعد أن كسب معركته مع عدوه الأساسي الذين هم كفار قريش، وذكرت بأن الله عز وجل قد نبه المؤمنين أن يقاتلوا الأعداء الأقربين أولا. وأنت تمعن في الكفر والضلال إذا لمت علي الإمام محمد بن عبدالوهاب أنه حطم آثار الصحابة وديارهم، وقبورهم التي ظلت قائمة لم تمس علي طوال تاريخ الأمة، حتي جاء بن عبدالوهاب فدمرها خلافا وخروجا علي إجماع الأجيال السابقة للأمة التي أقرت ببقائها ولم تمسسها. وكيف لا تكون كافرا ضالا وأنت تستنكر ما قام به ابن عبدالوهاب من تحطيم الأشياء التي تغري بالشرك وتدفع إليه، علي نحو ما فعل عمر بن الخطاب بقطع "شجرة البيعة" حتي لا يفتتن بها المسلمون. ناهينا عن كفرك وضلالك إذا قلت بأن الإنسان مختار، وأنه يحاسب علي أعماله لأنه هو الذي اختار، وفهمت القدر الذي ينبغي الإيمان به والتسليم والعمل علي مقتضاه باعتباره السنن والنواميس التي قدرها الله يوم خلق السموات والأرض، والتي منها أن يقوم عمار الدنيا علي قانون الأسباب، وأن يكون للإنسان حرية الاختيار. لقد خرج الجميع عن دائرة الوسطية التي اختارها الله لهذه الأمة.. والحديث موصول.

كاريكاتير

بحث