حجم الخط

الجمل وشرف

4/3/2011 6:49 pm

كتب:

سوف يتسع صدر أستاذي الدكتور يحيي الجمل لو أخبرته أن فعاليات كثيرة من ثوار يناير تشعر بالدهشة إزاء أكثر تصريحاته ومواقفه!! وأنها باتت تعتقد أن المعني السياسي الكبير الذي مثله عندها لم يتحقق منذ قبل موقعه الوزاري وحتي اليوم. 

ظننت أن أستاذي ـ بقبول الوزارة ـ لم يستدع تجربة انضمامه للحزب الوطني عام 1983 وعضويته القصيرة في مجلس الشعب في حينه. وإذا لم يتذكر أستاذي معارضتي لهذا الانضمام وكنت ـ وقتها ـ محاميا شابا يعاونه في مكتبه. فالمؤكد أنه لم ينس ندمه الشديد علي تلك التجربة الفاشلة، التي خاضها رغم تحذيرات كثيرة، علي رأسها تحذير صديقه الدكتور حلمي الحديدي الذي خاض التجربة قبله مباشرة لمدة عام واحد في منصب وزير الصحة. 

ولأني قدرت أن الظروف الحاضرة تغري كثيرين بخوض التجربة، يراودهم حلم مشروع أن يضعوا بصمة علي مستقبل بلادهم في هذا المنعطف التاريخي، فقد اتصلت بأستاذي مهنئا ومتمنيا له التوفيق... 

لكن الحق أنه منذ شغل الدكتور موقعه وحتي اليوم فإن أكثر محبيه وعارفي قدره يلحظون ضعف تأثيره فيما يصدر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الأمور الدستورية والقانونية التي هي ميدان الأستاذ الأثير، كما لم يقدم أي رؤي محددة في أمور مثل الحوار المجتمعي الذي يحمل لقب نائب رئيس الوزراء لشئونه، ولا في شأن الإعلام الذي أذيع أنه اختص بشئونه. ويكفي أن الحوار الوطني المعلن مؤخرا لم يبدأ إلا بعد إتمام الإعلان الدستوري، وبعد التعديلات الدستورية، وإعلان قانون الأحزاب، وهو ما قد يعني تحول الحوار لمكلمة بلا معني. ناهينا عن التحفظات الكبيرة من قوي عديدة علي هدفه، وطريقة إعداده واختيار المشاركين فيه. أما التغييرات الصحفية التي جاءت بعد طول انتظار فجاء أغلبها تقليديا لا ينطوي علي جديد حقيقي. أما مقاله الصحفي الذي دعا للتسامح مع أقطاب النظام المخلوع، فأخشي أن يكون قد قصد الدفاع عن رئيس النظام المخلوع وأسرته الفاسدة وأركانه زكريا عزمي، وصفوت الشريف، وفتحي سرور، وكمال الجنزوري، وعاطف عبيد، ويوسف والي، وأحمد نظيف، ويوسف بطرس غالي، ومحمود محيي الدين، ومختار خطاب. هؤلاء الذين مازالوا مطلقي السراح يتمتعون ـ كورثة شريكهم الراحل كمال الشاذلي ـ بما جنت أيديهم من الفساد والإفساد، لم يسقط منهم إلا رجلهم حبيب العادلي، وصبيهم أحمد عز.. 

هؤلاء الذين أسسوا الفساد وأقاموا نظامه وشرعوا قوانينه، ويستحيل أن يشملهم عفو أو تسامح إلا إذا أهدرنا كل معني للقيم والأخلاق، قبل أن نهدر كل معني للثورة، وكل تضحية للثوار. وكل أمل في المستقبل. وأخشي أن يكون هذا هو معني المصالحة الوطنية المطروح في "حواره الوطني". فقد استدعي الدكتور تجربة جنوب إفريقيا في التخلص من النظام العنصري البغيض، وهو وضع يختلف بالكامل عن الحالة المصرية الراهنة، إذ اضطرت الأغلبية السوداء إلى العفو عن جرائم ذلك النظام حتي لا يتحول حلمها في حكم بلادها إلى حرب أهلية ضروس مع الأقلية البيضاء التي اغتصبت الحكم لقرون مارست خلالها أبشع أنواع الفصل العنصري ضد أصحاب البلاد الأصليين. 

ولو أن الدكتور قصر مطلبه علي بعض الوزراء التنفيذيين وكبار الموظفين الذين فرض عليهم تنفيذ السياسات الفاسدة، أو علي رجال الأعمال الذين استفادوا من هذه السياسات، وقدم لذلك رؤية محددة ومنضبطة لكنت من مؤيديه. فأنا ممن غمهم تشكيل ما سمي بلجنة تقصي حقائق لجرائم جنائية هي القتل العمدي لمئات المتظاهرين، والشروع في قتل ألوف أخري منهم مما كان يوجب المسارعة بتحويل مقترفيها إلى المحاكمات الجنائية العاجلة. بينما لم تشكل لجان مماثلة لقضايا مثل تخصيص الأراضي وبيع المصانع، وجري تحويلها إلى محاكم جنائية قد لا تلم بأبعادها ولا سابق خبرة لها فيها. ولا بخبايا سياسات الفساد التي أنتجتها، والتي لا يسأل عنها المتهمون إلا إذا كان سلوكهم قد انطوي علي جرائم أخري غير مجرد الاستفادة من هذه السياسات. كان لدينا فرصة كبيرة لمعرفة حقائق هذه السياسات بعيدا عن سراديب الاتهام الجنائي وما يحكمها من اعتبارات، لو شكلت لجنة من أمثال حازم الببلاوي، وممدوح حمزة، وعلي رأفت وغيرهم من الشخصيات العامة المستقلة، وغير المنتمية إلى أيدلوجيات بعينها. لجنة تلبي حاجة الرأي العام لمعرفة التفاصيل الحقيقية بشكل علني وشفاف يمكنه من تقدير ما توجبه المصلحة العامة بما في ذلك إغلاق باب المحاكمات الجنائية في هذا الخصوص تحديدا. 

ولو أن المبادرة كانت في هذا المستوي فإن تحقق مصداقيتها لدي الثوار كان يوجب إطلاقها من قبل الدكتور عصام شرف، الرجل الذي مثل لدي الثوار علامة بيضاء في الثوب الأسود للنظام الساقط. علامة حصلت علي شرعية الثورة في لحظة متفردة من عمر هذه الثورة. وهذا المعني لـ"شرف" يختلف جذريا عن المعني السياسي الكبير لـ"الجمل". علي الأخص وقد أحس أكثر الثوار أنه لم يتحقق كما انتظروه.

كاريكاتير

بحث