حجم الخط

سقوط بن علي

1/24/2011 0:08 am

كتب:

هذا المواطن البائس يستحق تكريم جميع الحكام العرب. حاول إحراق نفسه أمام مجلس الشعب المصري احتجاجا علي نقص حصة الخبز التي يحتاجها حانوته الصغير فأثبت أن ما جري في تونس غير قابل للتكرار السريع وبذات الطريقة في بلاد العرب الأخرى. وهذا هو عين ما تجاهد لإثباته جميع الأنظمة العربية منذ فر صاحبهم زين العابدين بن علي هاربا من غضبة شعبه الثائر في تونس الخضراء. أكثر من ذلك فإن الأنظمة العربية أثبتت أنها قد أعدت عدتها، وجهزت ما تستطيع من أجهزة الإسعاف والإطفاء لإنقاذ كل مواطن تسول له نفسه أن يحاول إحراق نفسه احتجاجا علي البؤس الذي يحياه بسبب سياسات هذه الأنظمة، لكنه لا أحد يأمن مكر التاريخ، أو يتوقع مدي قدرة الشعوب علي إبداع أشكال وأسباب ثوراتها الكبري.
بن علي نفسه كان نموذجا صارخا لعدم قدرة الطغاة علي استيعاب دروس التاريخ. هم غارقون لآذانهم في استبدادهم وفسادهم، يظنون لطول ظلمهم واستبدادهم أن الأمور استقرت لهم، وأن الثروات التي نهبوها، وأجهزة القمع التي أقاموها قد كفلت لهم طول البقاء، وتوريث المال والسلطة للأبناء وذوي القربي والولاء، ويتوهمون أن جموع الشعب التي نهبوها وأفقروها، وأصابوها بالبؤس والشقاء قد فقدت كل قدرة ولو علي مجرد الاحتجاج. ولكن هاهو الطاغية الهارب من الخوف والذعر، لم يكد يجد مكانا يؤويه، علي الأخص في بلاد الغرب التي منحها ولاؤه علي حساب شعبه وأمته. لم يتعظ بن علي بدرس سلفه أنور السادات الذي عجل بتعديل الدستور ليعطي لنفسه حق البقاء في الحكم كيف شاء فذهب مقتولا لم ينتفع بفعلته النكراء التي لو لم يقدم عليها لما فكر احد في قتله بهذه الطريقة التي ذهبت مثلا في أن أعظم التحصينات لا تغني شيئا عندما يحل موعد الخلاص من الفاسدين والطغاة.
لا احد يغامر بحياته من اجل التخلص من حاكم لم يبق له في موقعه إلا شهور وأيام، وفي جميع الأحوال فإن تغييره بالطريق الطبيعي متاح. هذا هو سر استقرار أمور الحكم في البلاد التي تعرف تداول السلطة، فتغيير الحكام يتم بالطريق الطبيعي، وهم ينتظرون هذا التغيير فيحتفظون بشعورهم الإنساني، ويظلون دائما في حالة التحسب لعودتهم لحياتهم الطبيعية كمواطنين عاديين زال عنهم النفوذ والسلطان، وأصبح يمكن محاسبتهم علي ما اقترفوه من آثام. وذلك بالضبط هو ما ينساه الحكام المرضي بطول البقاء في السلطة فيتوهمون أنهم فوق البشر، ويسرفون في الفساد والاستبداد.
لقد فر بن علي مذموما مدحورا لا هم له ولأسرته إلا إنقاذ ما أمكنهم إنقاذه مما نهبوه من ثروات الشعب الذي توهموه مغلوبا علي أمره إلى الأبد. ورغم تهافت نظرية المستبد العادل فلم يكن بن علي مستبدا عادلا قد يقبل منه شعبه مساوئ الاستبداد، كما لم يكن مناضلا وطنيا ناضل من اجل شعبه ليغفر له هذا الشعب أخطاء حكمه وخطاياه. ولا كان من أصحاب المبادئ لا يخطر الهروب بخلدهم بل يموتون علي مبادئهم حتي وإن لفظهم الناس. لم يكن بن علي إلا لصا من اللصوص الذين لا يعنيهم ـ إذا استيقظ أهل الدار ـ إلا إنقاذ ما يمكن إنقاذه والهروب بما تيسر لهم حمله من المسروقات ولو بقتل جميع أهل الدار. لقد كان درس سقوط بن علي قاسيا علي أمثاله من الطغاة. كان محصلة فعل ورد فعل شرطي ومواطن. شرطي مكنه نظام مستبد فاسد من رقاب الناس فتمادي في بغيه منتظرا حسن المكافأة علي ما أثمت يداه، ومواطن ظن البغاة أن رقبته قد استقرت تحت أقدامهم بغير قدرة علي الحراك. لم بتخيل الفاسدون المستبدون أن حجم البؤس والذل الذي ألحقوه بشعوبهم قد يحرض بعضهم علي الخلاص من حياتهم نفسها، وأن هذا الخلاص قد يحرك جموع البائسين في لحظة مبهرة من لحظات مكر التاريخ. ولن يتعظ أمثال بن علي من اللصوص والطغاة!! سوف يراهنون علي حقيقة أن الأحداث لا تتكرر بالضبط وفي نفس الصيغة، وعلي أن قدراتهم علي القمع وتزييف الحقائق مازالت فاعلة، وأن وسائل الحماية الأمريكية والصهيونية لهم مكفولة لا تزول إلا بزوال قدرتهم علي قمع الشعوب وتزييف الحقائق، وعلي أن الأيام قد تجهض أحلام التغيير التي فجرتها انتفاضة تونس، لأنها انفجرت دون إعداد ولا تنظيم ولا قيادة، وقد تسرقها فلول النظام المطرود، أو تركبها بقايا معارضة سياسية لم تشارك فيها، وقد تنتهي علي أرضية أوهام نخبة عاجزة، معزولة عن الجماهير، يتركز طموحها كله في أشكال من الديمقراطية المزيفة. ولعلها إرادة الله شاءت ألا يتعظ اللصوص بما جري لأمثالهم من حوادث الزمن، وإلا لأفلتوا من العقاب علي جرائمهم، وهذا ما تأباه عدالة السماء.

 

كاريكاتير

بحث