حجم الخط

غواية التكفير

1/9/2011 6:46 pm

كتب:

جاء التفجير الإجرامي أمام كنيسة الإسكندرية وما تلاه من ردود فعل غاضبة مصداقا لما سطرناه في "دنيا" بعدد "العربي" السابق عن خطورة بعض ما تسمعه جموع مواطنينا داخل دور العبادة "علي عقائدها وأوطانها وحياتها كلها". لم نقرأ الغيب بل حللنا الواقع الذي نعيشه، والذي تراكمت مظاهره على امتداد السنين منذ زيارة السادات المشئومة للقدس عام 1977، وما أنتجته من الكوارث، منها ما يجري داخل دور العبادة حيث يلقي الناس أسماعهم بلا روية لرجال دين توقف علمهم بشئون الدين والحياة معاْ عند عصور محددة تجاوزتها أحداث تعاقبت على مر القرون. عصور لم يعد يبقي لنا منها إلا الأصول الكبري التي تضمن لنا الاستمرار الخلاق مع منجزات أجيالنا السابقة، بلا قطيعة ضارة، ولا تقليد جامد يعوق حركة الحياة. ولم تكن التهمتان اللتان تعرضت لهما من واعظين في مسجدين من المساجد المنسوبة إلى السلفية في بلادنا مرة بـ"الشيعية"، والثانية بـ"الاشعرية والأخذ بمقولات علم الكلام دون الكتاب والسنة "إلا نموذجا صارخا لما أصاب حياتنا من تصدعات. التهمتان تعنيان الكفر والفسوق والخروج من ملة المسلمين، برغم تناقضهما الشاسع.. فالمذهب الأشعري في رأي أكثر علماء السنة هو "جوهر وأساس اعتقاد أهل السنة والجماعة" وهو نقيض المذهب الشيعي، والخصم العنيد للجهمية، والمعتزلة، وأصحاب علم الكلام. ورغم ذلك كله فان الوهابيين وأتباعهم من وعاظ المساجد المنسوبة إلى السلفية يكفرون المذهب الأشعري وأتباعه بزعم أنهم ينكرون صفات الله عز جل.

لم تعنيني تهمة الانتماء الشيعي فمن ألقاها في وجهي مجرد ناقل ينقل ما سمع أو ما قرأ بلا علم ولا فكر ولا تمحيص. ما أشعرني بالأسي حقا هو "الشيخ على حشيش" صاحب التهمة الثانية. فهو من علماء النقل الكبار، وصاحب عقلية فلسفية حقيقية، وقدرة ملحوظة على العرض والتوصيل، أظنها حرية بأن تكون من اكبر العقول المجددة للدين لو أن صاحبها تفقه بحق، وذهب إلى آراء باقي العلماء والفقهاء في مصادرهم هم وليس فيما يقرره عنهم خصومهم، ولم يكتف بحصر قدراته الكبيرة في علوم النقل التي ترك لأجلها مهنة الهندسة، لكني أظنه سوف يعتبر وصفه بأنه من "علماء النقل الكبار" شرفا كبير، حيث يري أن النقل هو الوسيلة الوحيدة الصحيحة للحفاظ على الكتاب والسنة واللحاق بركاب الصحابة والتابعين. لا يخطر في باله حقيقة أن ابن حنبل وابن تيمية وسابقيهم من فقهاء الصحابة والتابعين كانوا من كبار المجتهدين الحافظين العالمين الذين "أراد الله بهم خيرا ففقهم في الدين"، وإن من أراد مقامهم فليحذو حذوهم فلا يكون ناقلا بلا علم ولا عالما بغير فقه. يكفي من تواضع حظه من الفقه انه لا يدرك أن جميع المقولات التي هاجمت علم الكلام قديما انطلقت من أصول ومناهج هذا العلم نفسه، وأن قضية الذات والصفات كلها تسربت إلى الفكر الإسلامي بتأثير الترف الفكري الذي يلحق بجميع الحضارات عندما تبلغ أوج ازدهارها، وبفعل عصر الترجمة وما صاحبها من اطلاع علماء المسلمين على قضايا الفلسفات السابقة ومنها قضية "طبيعة السيد المسيح" التي أشعلت الخلاف بين الفرق المسيحية. وهو يصر على التفرقة الجامدة بين "الاكتساب" أي فعل الخير بغرض المكاسب الخاصة و"الاحتساب" أي فعل الخير ابتغاء وجه الله وحده، فلا يتأمل حقيقة انه لا يمكن للمرء أن يحتسب إلا إذا أحسن الاكتساب، كما أن أعظم الاكتساب ما يكون احتسابا لوجه الله تعالي. بل انه لم يدرك أني ما حاججته إلا بما قال. كان يتحدث عن "أسماء الله وصفاته" من منطلق المذاهب الفقهية التي تثبت لله عز وجل كامل الصفات المتعلقة بأسمائه الحسني منزهة عن التشبيه والحدوث. وهو موضوع لم يكن لي علاقة به، ولا كنت اعلم شيئا عن المذهب الأشعري تحديدا إلا بشكل عام لا تفصيل فيه. وربما استهواني حضور دروس "الشيخ حشيش" لما كانت تضيفه لي مما لا اعلمه في هذا الخصوص، وعندما قاطعته معترضا على إصراره على تكفير الأشعرية لم أكن افعل شيئا إلا عرض ما فهمته من عدة دروس حضرتها له. الكتب التي يقرأها على سامعيه تقول إن الأشعرية لم يثبتوا لله عز وجل إلا صفات سبع هي تلك التي رأوها متعلقة بذاته فتكون قديمة كقدمه، أما باقي الصفات فلم يروها قديمة فنزهوا الذات العلية عنها. وهذا التنزيه يعتبره المذهب الوهابي إنكارا من الأشعرية لهذه الصفات فيدرجهم في عداد الكافرين لأن منكر الصفات كافر في رأيهم.

وقفت منبها إلى أن الأشعرية انطلقوا من نفس القاعدة التي تنطلق منها جميع المذاهب السنية من تنزيه الله عز وجل في ذاته وصفاته عن التشبيه والحدوث فهو الأزلي السرمدي الذي "ليس كمثله شيء".

قلت له إن الخلاف يتعلق بتأويل معني الحدوث. هو ومن اتبعهم يرون أن جميع الصفات قديمة فيثبتوها للذات العلية، والأشعرية يرون أن بعضها محدث فينزهون الذات العالية عن الاتصاف بهذا البعض. لكنه هاج وماج وقطع درسه وهو يصيح "أنت اشعري أنت من أتباع علم الكلام الذي يخالف الكتاب والسنة، منكر الصفات كافر، منكر الصفات كافر!.. استمعت إلى الرجل بينما أغادر مجلسه مبتسما، ربما لأن تقديري لعلمه ومواهبه كبير. أسفت لأن الرجل لم يلتفت إلى حقيقة أني كنت متابعا لأكثر ما يقول منفعلا به متفاعلا معه، ولم أرد عليه إلا بما قال وكرر. ولكن من يدري ربما أدرك صاحبي حقيقة أمري فخشي على نفسه وعلي سامعيه مما فهمته منه، فالمطلوب ألا يفهم احد. المطلوب فقط أن نسمع ونردد "كمثل الحمار يحمل أسفارا". والحديث موصول.

كاريكاتير

بحث