حجم الخط

"الأجور ومأساتها" والأجور المخفية

4/3/2011 7:12 pm

كتب: عبد الخالق فاروق

بدأ وزير المالية الجديد د.سمير رضوان تكرار المزاعم القديمة حول أعباء سياسة دعم السلع والمشتقات البترولية.

ويبدو أن الوزير الذي ينتمي فكريا وسياسيا للجنة السياسات المقبورة والحزب الفاسد الذي كان عضوا في لجنة سياساته يعاند الثورة ويصمم أن يكون جزءا من الثورة المضادة.

لذا نكتب هذا المقال تأكيدا لعدم صدق الوزير وغياب أية رؤية مميزة له.

من أكثر الأمور المالية غموضاً علي الرأي العام وملايين الموظفين مسألة الأجور والرواتب؛ وهي برغم أهميتها القصوي للعاملين بالقطاعات الحكومية المختلفة الذين يزيدون علي 5.6 مليون وأسرهم الذين يقاربون 17 مليون مواطن آخرين؛ فإن الكثير من تفاصيلها وتناقضاتها وألاعيبها لا يدرك أبعادها معظم أفراد المجتمع المصري؛ بل وأذهب إلي حد القول بأن كثيرا من رجال النخبة المصرية والنشطاء السياسيين لا يعرفون منها سوي العناوين العامة وشعار "الحد الأدني الإنساني للأجور".

والسؤال: كيف هي الصورة الحقيقية للأجور والرواتب؟ وما هو جوهر الخلل فيها؟

انظروا معي إلي هذا الجدول البسيط الذي يظهر تطور مخصصات الباب الأول من أجور وتعويضات للعاملين لنتعرف معاً علي جوهر الموضوع.

جدول رقم (1)

تطور الباب الأول: الأجور والتعويضات للعاملين علي مستوي الموازنة العامة للدولة خلال الفترة من (2005/2006) حتي (2010/2011)

"بالمليون جنيه"

م البيان 2005/2006 2006/2007 2007/2008 2008/2009 2009/2010 2010/2011

فعلي فعلي فعلي متوقع متوقع مشروع موازنة

* إجمالي الأجور والتعويضات للعاملين 45842.7 51430.0 59574.0 77179.0 86135.0 94608.5

1 الوظائف الدائمة 15774.6 13691.0 14725.0 15316.0 17123.0 19101.0

2 الوظائف المؤقتة 284.4 388.0 546.0 934.0 1045.0 1419.0

3 المكافــــآت 14084.9 1681.0 19267.0 26933.0 29694.0 33650.3

4 البدلات النوعية 1725.9 1877.0 2020.0 6707.0 7835.0 8963.6

5 المزايا النقدية 4772.7 6015.0 6986.0 12172.0 11333.0 10737.1

6 المزايا العينية 1001.1 1180.0 1436.0 1723.0 2034.0 2263.3

7 المزايا التأمينية 5283.7 5898.0 6538.0 8001.0 8686.0 9444.8

8 الأجور الإجمالية والاحتياطيات العامة 5915.4 6200.0 8056.0 5394.0 8385.0 9029.2

المصدر: وزارة المالية، البيان الإحصائي عن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2005/2006 من ص 50 إلي 52، والبيان الإحصائي عن مشروع الموازنة العامة للدولة 2006/2007 من ص 36 إلي 37، والبيان الإحصائي عن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2007/2008 من ص 40 إلي 41، والبيان التحليلي عن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2009/2010 من ص 108 إلي 112 (والمتضمن المتوقع للعام المالي 2008/2009)، والبيان التحليلي عن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2010/2011 من ص 104 إلي 108.

لاحظوا معي أن القراءة الأولي تشير إلي أن زيادة ملموسة ومحسوسة قد جرت في مخصصات الأجور والرواتب للعاملين بالحكومة (دون الهيئات الاقتصادية وشركات قطاع الأعمال العام) حيث زادت هذه المخصصات من 45.8 مليار جنيه عام 2005/2006 إلي أن بلغت 94.6 مليار جنيه في موازنة عام 2010/2011.

فما هو مناط التلاعب والمغالطة إذن؟

أولي هذه المغالطات: أن الرقم المعلن لإجمالي الأجور والرواتب والذي بلغ في موازنة 2010/2011 حوالي 94.6 مليار جنيه لا يعبر عن حقيقة ما يجري فعلاً، حيث إن 25٪ إلي 30٪ من هذا المبلغ يحتجز فعلاً لدي الحكومة في صورة استقطاعات ضريبية بكافة أنواعها وحصة العاملين في المزايا التأمينية، وكذلك حصة الحكومة (كصاحب عمل) في هذه التأمينات.

لقد زاد متوسط الاستقطاعات الضريبية والتأمينية من استحقاقات الأجور للعاملين من متوسط 7٪ إلي 13٪ خلال عقدي الستينات والسبعينات إلي 17٪ إلي 25٪ في المتوسط خلال عقدي التسعينات والعقد الأول من الألفية الجديدة.

ثانياً: إذا تأملنا جيداً توزيع مجموعات الأجور وتعويضات العاملين الواردة في البيـان السابق، نكتشف أن ما يذهب منها لأصحاب الوظائف الدائمة (وعددهم حوالي 5.6 مليون موظف ومشتغل) لا تزيد على 21٪ من قيمة إجمالي اعتمادات الأجور وهو أحد مناط الخلل في الإدارة المالية للقطاع الحكومي حيث لا يمثل الراتب الأساسي سوي خمس الاستحقاقات الأجرية لمعظم العاملين بهذه الإدارة الحكومية. بينما نجد أن بند المكافآت والذي تجاوزت قيمته 33.7 مليار جنيه عام 2010/2011 بما يشكل 35.6٪ من إجمالي اعتمادات الأجور يوزع بصورة غير متكافئة علي الإطلاق بين مكونات ووحدات القطاع الحكومي حيث نجد وزارات ووحدات (رئاسة الجمهورية ـ رئاسة مجلس الوزراء ـ وزارة التخطيط ـ الجهاز المركزي للمحاسبات.. الخ) يحصل العاملون فيها علي أكثر من ثمانية أضعاف الراتب الأساسي بينما في وحدات الإدارة المحلية بالمحافظات (والبالغ عددهم 3.5 مليون موظف ومشتغل) يكاد لا يحصلون منها سوي علي الفئات (75٪ من الراتب الأساسي) باستثناء العاملين في التربية والتعليم الذين يحصلون في نهاية العام الدراسي علي ما يسمي مكافآت التصحيح وعلي بدلات مُعلم وبدلات اعتماد معلمين. بل إن تحليل مجموعة المكافآت لعام 2010/2011 البالغة 33.7 مليار جنيه يبين أن 12.7 مليار جنيه منها ذهبت فقط إلي العاملين بالإدارة المحلية مقابل 14.7 مليار جنيه ذهبت إلي العاملين بالجهاز الإداري بالعاصمة (وعددهم لا يزيد علي 1.6 مليون موظف منهم 800 ألف بجهاز الشرطة) هذا بخلاف 6.3 مليار جنيه ذهبت كمكافآت للعاملين بالهيئات الخدمية (وأهمها العاملون في الجامعات الذين يزيدون علي 320 ألف موظف وكادر جامعي) إذن هذا الخلل الجوهري يظهر مغالطة أخري بشأن الرقم الإجمالي للمكافآت حيث نكتشف بالتحليل أسوأ توزيع هذه الأموال.

ثالثاً: في بند المزايا العينية الذي بلغ عام 2010/2011 حوالي 2.3 مليار جنيه والذي يتضمن أنواع مثل "أغذية للعاملين" وملابس للعاملين وعلاج طبي للعاملين وخدمات اجتماعية ورياضية للعاملين نكتشف أن 85٪ من هذا المخصص المالي يذهب إلي "قطاع الدفاع والأمن" وليس إلي "العاملين بالدولة" لقد استولت الشرطة والدفاع عاماً بعد آخر علي هذا المخصص المالي الذي هو في الأصل موضوع لصالح 5.6 مليون موظف فإذا به يتجه إلي مسارات أخري بما يشير إلي خديعة إضافية.

رابعاً: أما مجموعة "البدلات النوعية" التي بلغت عام 2010/2011 حوالي 9.0 مليار جنيه والتي تشمل علي حوالي 33 نوعا من هذه البدلات (بدل تمثيل ـ طبيعة عمل ـ بدلات عسكرية ـ بدل خطر ـ بدل تفرغ.. الخ) فنجد أن توزيعاتها تشي بدرجة من عدم التوازن حيث يستحوذ الجهاز الإداري (1.6 مليون موظف نصفهم لدي وزارة الداخلية) علي 3.3 مليار جنيه والهيئات الخدمية (معظمهم لدي الجامعات) علي 239.7 مليون جنيه ويذهب الباقي (وقدره 5.4 مليار جنيه) لدي الإدارة المحلية حيث يستحوذ بدل المُعلم علي 2.2 مليار جنيه وبدل اعتماد مُعلمين علي 2.6 مليار جنيه هذا بخلاف بدل مُعلم بالجهاز الإداري 352.5 مليون جنيه وبدل اعتماد مُعلمين بالجهاز الإداري 1300.0 مليون جنيه بيد أن تجربة السنوات الثلاث الماضية منذ صدور قانون الكادر للمُعلمين (رقم 70 لسنة 2007) يشير إلي أن جزءًا كبيراً من مخصص "بدل اعتماد مُعلمين" يجري تعليقه أو عدم صرفه بحجج واهية واختبارات مُذلة للمدرسين من أجل عدم صرف هذا المخصص المالي.

خامساً: نأتي إلي مجموعة المزايا التأمينية والتي تجاوزت 9.4 مليار جنيه نجد أنه وبعد أن وضعت وزارة المالية ووزيرها د.يوسف بطرس غالي يدها علي أموال التأمينات والمعاشات منذ عام 2006، ويكاد يكون هذا المخصص المالي هو جزء من الباب الدوار للخزانة العامة حيث يدرج هذا المخصص ولكنه فعلياً يعود إلي إدراج وزارة المالية في لعبة جديدة وخطيرة تتعلق بالدين العام الحكومي والسعي من أجل إظهاره بأقل من حقيقته وهو موضوع آخر سوف نتناوله في مكان آخر.

سادساً: نأتي إلي مجموعة ما يسمي "الإحتياطيات العامة علي مستوي الموازنة" والتي بلغت 9.0 مليارات جنيه. فهذا الرقم يجري عليه إحدى عمليتين؛ فإما أنه يجري تحويله لتعزيز "الباب الأول" لدي قطاعي الشرطة والدفاع من وراء ظهر الرقابة التشريعية وغيرها من أجهزة الرقابة وأما أنها تخضع لتقديرات السلطات الثلاث الأعلي في هذا الشأن (رئيس الجمهورية ـ رئيس الوزراء ـ وزير المالية) في توجيهها وقد سبق وأشرنا إلي أن التأشيرات العامة المصاحبة لقانون إصدار الموازنة العامة تتضمن في إحدي موادها علي طريقة التصرف فيها فالمادة (28) من قانون موازنة عام 2009/2010 علي سبيل المثال حدد حظر الصرف من هذه المجموعة إلا بعد الرجوع إلي وزير المالية أو من يفوضه بعد استطلاع رأي الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة فيما يخصه.

وهكذا يبدو واضحاً أن الأرقام الواردة في الموازنة والمعلنة علي الرأي العام المصري غير المتخصص تعطي انطباعاً غير صحيح وغير دقيق بشأن اعتمادات الأجور والرواتب وطريقة توزيعها المختلفة وغير العادلة.

فهذه الاعتمادات المالية التي تبدو ضخمة تتوزع بصورة غير متكافئة بين وزارات وأجهزة ومصالح مختلفة بحيث يجد القطاع الأكبر من العاملين أنفسهم في عوز دائم مما يدفعهم دفعاً إلي خطيئة الرشوة بكافة صورها المحزنة والمخزية.

*****

 ثانيا: لغز "الأجور المخفية"

في حواره الشهي مع الجريئة "إيناس الدغيدي" في شهر رمضان الماضي؛ أشار الدكتور علي الدين هلال؛ أستاذ العلوم السياسية السابق ومسئول الإعلام والدعاية في الحزب الوطني الحاكم حالياً إلي معلومة تتعلق بالأجور والرواتب؛ حيث أكد أنه لا يتحصل من وظيفته سوي علي خمسة آلاف جنيه شهرياً فقط لا غير.

ولأن الدكتور علي الدين هلال؛ هو رجل أنصاف الحقائق؛ وأستاذ المراوغة والمناورة والتحبيك؛ فلم يكن ممكناً أن تمر جملة الدكتور هلال؛ هكذا دون تمحيص وتحليل؛ خاصة أنها ذات علاقة وطيدة بتلك السلسلة من المقالات التي بدأناها في جريدة المصري اليوم منذ أيام قليلة والمتعلقة بأساليب التلاعب وعدم الإفصاح في الموازنة العامة للدولة المصرية فما هو مناط الحقيقة أو إخفائها في الحديث الرمضاني للدكتور هلال؟

أولاً: الدخول الرسمية.. والدخول المخفية:

درج الفن المالي والمحاسبي علي تنظيم أبواب الإنفاق علي الأجور والرواتب وفقاً لأنواعها وبنودها المختلفة ومن التقسيمات الشهيرة تلك التي تقسم نفقات الأجور والرواتب بين ثلاثة مجموعات أساسية هي:

ـ أجور وبدلات ومزايا نقدية.

ـ المزايا العينية.

ـ المزايا التأمينية.

ولا يدرك غير المتخصصين أين يكمن مناط التلاعب المالي والمحاسبي؛ خُذ مثلاً في موازنة عام 2004/2005 بلغت المزايا العينية حوالي مليار جنيه موزعة علي النحو التالي:

توزيع المزايا العينية في موازنة 2004/2005 وفقاً لقطاعات الموازنة

"بالمليون جنيه"

البيان جهاز إداري إدارة محلية هيئات خدمية الإجمالي

بند (1): تكاليف تغذية للعامليــن 322.6 49.7 29.4 401.7

بند (2): تكاليف ملابس للعامليـن 237.7 3.4 5.4 24.5

بند (3): علاج طبي للعامليـــن 110.3 0.05 75.2 185.6

بند (4): خدمات اجتماعية ورياضية 26.9 0.7 1.0 28.6

بند (5): مزايا عينيـة أخـــري 10.3 - 0.05 10.4

 الإجمالي

المصدر: وزارة المالية، مجلد الموازنة للدولة للعام المالي 2004/2005، صفحات (92، 304، 514).

فإذا تأملنا بيانات الجدول السابق نكتشف أن معظم المزايا العينية تذهب إلي العاملين بالجهاز الإداري للدولة وعددهم لا يزيد علي 1.3 مليون موظف ومشتغل؛ ثم إذا ذهبنا إلي مدي أبعد في التحليل نكتشف أن معظم هذه الأموال لا تذهب إلي كل العاملين بالجهاز الإداري بل إلي العاملين فقط في قطاع الدفاع والأمن؛ فعلي سبيل المثال من بين 322.6 مليون جنيه تغذية للعاملين بالجهاز الإداري ذهب 292.8 مليون جنيه لقطاع الدفاع والأمن والعدالة أما قطاع التعليم والبحوث والشباب فلم يحظ سوي بـ 3.6 مليون جنيه..!!.

وكذلك العلاج الطبي للعاملين (110.3 مليون جنيه) ذهب 88.9 مليون جنيه منها لقطاع الدفاع والأمن ولم يحظ قطاع التعليم سوي بـ9.3 مليون جنيه أما بند خدمات اجتماعية ورياضية فقد ذهب كلها تقريباً لقطاع الدفاع والأمن وعلي نفس النمط والمنوال جاءت الاعتمادات المالية للسنوات اللاحقة هذه الحالة تصلح مدخلاً توضيحياً لما أعلنه الدكتور علي الدين هلال بشأن راتبه الشهري سواء كأستاذ جامعي أو كقيادي داخل الحزب الوطني الحاكم؛ ذلك أن ما ذكره الرجل قد يكون نصف الحقيقة.

أما النصف الأخر المسكوت عنه فهو ما نطلق عليه "الأجور والمزايا المخفية" والتي هي طيف واسع من المكتسبات من قبيل:

ـ تخصيص قطع أراضي مقابل أسعار زهيدة.

ـ تخصيص فيلات أو شاليهات في بعض المناطق المميزة بأسعار زهيدة.

ـ أداء الإيجارات الشهرية لخدمات مثل المسكن أو غيرها لكبار القادة والمسئولين.

ـ تخصيص عدة سيارات فاخرة للمسئول وأفراد أسرته مصحوبة بالسائقين.

ـ تذاكر مجانية لانتقالات بالطائرات والسفن والقطارات.

ـ العلاج المجاني للمسئول وأفراد أسرته سواء في المؤسسات الصحية المرموقة في الداخل أو الخارج.

ـ إمدادات الطعام دون مقابل أو بمقابل متواضع جداً.

ـ رحلات الاستجمام والأجازات المدفوعة في المنتجعات المخصصة لكبار المسئولين والوزراء والقادة.

كل هذه العناصر وغيرها تمثل أحد مكونات "الأجور المخفية" التي يحصل عليها عدة مئات من كبار المسئولين في الوزارات والحزب الوطني الحاكم. وقد يمول جزء كبير من هذه المزايا من الموازنة العامة للدولة أو من مصادر أخري (مثل الأراضي والفيلات والشاليهات) ولا تدرج عادة في بند الأجور المخصصة للوزراء وكبار قيادات الحزب الحاكم والحكومة.

ونقدر من جانبنا حجم هذه المخصصات والمزايا سنوياً بما يزيد على ثلاثة مليارات جنيه يستحوذ عليها ما لا يزيد على ثلاثة آلاف شخص من كبار المسئولين والقادة بالحزب والحكومة والقيادات العليا بالقوات المسلحة والشرطة.

 

كاريكاتير

بحث